مقالات واراء

حَرقٌ، خنقٌ، شنقٌ، وماذا بعد؟! | الشيخ كمال خطيب

انها فلسطين العروس المخطوفة والمسبية، وإنها القدس تاج العروس، وإنه المسجد الأقصى المبارك؛ تلك الدُرَّة التي تزين ذلك التاج على رأس العروس، إنها ومن يوم أن وقعت في السبي والخطف من أولئك اللصوص والغزاة وهي ما تزال تنادي وتستغيث ولكن لا حياة لمن تنادي، ولا صاحب نخوة يغيثها.

ست وستون سنة من يوم أن خطفوها وسبوها، وسبع وأربعون سنة من يوم أن نزعوا عنها التاج، ويا لخستهم، فإنهم قد سرقوا من التاج الدُرة الأثمن والأغلى فيه، إنه المسجد الأقصى المبارك.

ظن الغزاة الخاطفون أن العروس قد نسيت تاجها، وأن التاج سيبقى إلى الأبد دون دُرَّته الثمينة، ولكن هيهات، فالسنون مهما طالت على السبي والخطف فإن القدس ستظل تصرخ في وجه خاطفها: لن أحبك.

إنها القدس سليلة الطهر وأخت الشرف، بل إنها أطهر من الطهر وأشرف من الشرف، لم تبتسم في وجه الغزاة، ولم تحنِ لهم قامتها، ولم تخلع حجابها. صحيح أنها كانت تعض على شفتيها وتتحامل على جرحها وتختزن أحزانها وألمها في صدرها حتى ظنها اللص الغازي إنها تبلدت فما عادت تحس بما حولها بل إنها استسلمت لخاطفيها ومن سبوها.

إنها القدس، التي ما إن أحست بلفح النار يلذع وجه وجسد محمد أبو خضير في شهر حزيران 2014 وإذا بها تتململ لأن النار التي أشعلها القتلة في جسد أبو خضير، وقد سكبوا البنزين في فمه وعلى رأسه وجسده وأشعلوا فيه النار بعد أن خطفوه، لذعت جسد القدس مثلما لذعت جسد الشهيد. ومن يومها والقدس لم يهدأ لها بال ولم يغمض لها جفن، لا بل إنها راحت تزمجر مثل الريح العاصف، وتدوي مثل الرعد القاصف، وتثور مثل البركان الهادر، خاصة مع اشتداد أذى اللصوص ونيلهم من درتها الثمينة؛ المسجد الأقصى.

وإذا بها القدس غير القدس، خلعت عن وجهها اللثام وصرخت في وجه الغزاة اللئام، ولبى أبناؤها النداء.

ولكن الاحتلال اللئيم والمتغطرسجُنَّ جنونه من هول ما رأى من صمود أهل القدس وبطولة أبنائها، وإذا به يستنجد بوزير خارجية أمريكا جون كيري، الذي جاء مسرعًا إلى عمان لعقد لقاء ثلاثي مع الملك عبد الله الثاني التزم فيه بعدم التصعيد، ولم تمض سوى ثلاثة أيام على ذلك اللقاء وإذا بعقلية الشر واللؤم تحرك أيدي الغدر والخسة لتعتدي على سائق الحافلة ابن القدس يوسف رموني، فخنقوه ثم شنقوه داخل الحافلة التي كان يعمل سائقًا عليها، وإذا بالقدس تنفجر غضبًا من جديد.

ما أغبى هذا الاحتلال الذي مارس سياسة تكسير العظام لما كان رابين وزير “أمنه”، ومارس سياسة الأرض المحروقة كما فعل في مخيم جنين والمقاطعة في رام الله خلال رئاسة شارون، ومارس سياسة الحصار والتجويع خلال رئاسة أولمرت ونتنياهو، وها هو الآن يبدع في سياسة الحرق والخنق والشنق يظن أنها ستوصله إلى بر الأمان وشاطئ السلامة، بعد كسر شوكة شعبنا ودب الرعب والخوف في أبنائه، خاصة بعد سياسة الإعدامات الميدانية التي مارسها في القدس وفي كفركنا خلال إعدام الشهيد خير الدين حمدان ليلة 2014/11/7.

وليس أن هذا الاحتلال يحرق ويخنق ويشنق ويحاصر ويجوع ويُعدِم فقط، بل إنه الذي يعاقب الضحية إذا اشتكى وتألم، وكأنه ينتظر من الضحية أن تُقَبِّل يده أو رأسه أو حتى قدميه، وما علم أن بشاعة جرائمه وقسوة حقده لم تترك لأهل القدس خيارات كثيرة.

لقد أقام الاحتلال الدنيا ولم يقعدها، وجند ماكينة إعلامه وكل سفرائه بعد حادثة الكنيس في القدس صباح الثلاثاء 2014/11/18، إلا أنه السؤال الذي يصرخ في أسماع الدنيا كل الدنيا: وماذا مع مساجدنا التي تنتهك ويُسفك فيها الدم وقد ارتكبت فيها المجازر أكثر من مرة حيث المصلون فيها ساجدين وراكعين لله في صلاة الفجر، كما حصل في جريمة باروخ غولدشتاين في المسجد الإبراهيمي في الخليل عام 1994، وكما حصل في جريمة قتل ثلاثة شهداء في باب قبة الصخرة في العام 1982، وكما حصل في حريق المسجد الأقصى في عام 1996، وكما حصل في مجزرة قتل 22 شهيدا في ساحات الأقصى عام 1990، وكما يحصل كل يوم في ساحات المسجد الأقصى من ضرب وإهانة وقنابل صوت وغاز وتنكيل بل دوسٍ بـ”البساطير” العسكرية على سجاد المسجد الأقصى، بل دوس على القرآن كتاب الله، بل دوس على حجاب نسائنا بعد خلعه عن رؤوسهن، أليس لمسجدنا الأقصى حرمة كما لكنيسهم يا ترى؟!

من الذي ألقى رأس الخنزير على مسجد حسن بيك في يافا. ومن الذي أشعل النار في مسجد البحر في طبريا؟ ومن الذي ألقى القنبلة على مسجد الحاج عبد الله في حيفا؟ ومن الذي لطخ بالدهان وألقى رأس خنزير على قبر الشيخ عز الدين القسام في بلد الشيخ قرب حيفا؟ ومن الذي أحرق مسجد إبطن ومسجد طوبا ومساجد كثيرة من الضفة الغربية؟ ومن الذي صور الأفلام الخليعة في المسجد الأحمر في صفد؟ ومن الذي حول المسجد إلى كنيس في العفولة؟ ومن الذي حول المسجد إلى اصطبل في البصَّة؟ ومن الذي حول المسجد إلى خمارة في قيساريا؟ ومن الذي حول المسجد إلى دار للفنانين في عين حوض؟ ومن، ومن، ومن؟!! والقائمة طويلة لو أردنا أن نحصي جرائمكم وانتهاكاتكم لحرمات مساجدنا.

ولكنه الاحتلال الذي ما يزال يتعامل بعقيدة شعب الله المختار الذي ما خلق الله شعوب الأرض  إلا لخدمته.

إنه الاحتلال الإسرائيلي وحده يتحمل كرة النار وهذا اللهيب الذي راح يلفح المنطقة كلها. وعلى الرغم من أن العقلاء من قادته ومفكريه يعلمون خطورة اللعب بنار الحرب الدينية عبر استهداف مقدساتنا وفي مقدمتها المسجد الأقصى إلا أن القادة السياسيين لهذا الاحتلال يتجاهلون حتى آراء هؤلاء الحريصين والمتخوفين على مستقبل المشروع الصهيوني. لذلك فإننا نقول، ونحن في كامل الثقة والطمأنينة واليقين، إن المستقبل لنا، وإن الجولة جولتنا وإن القدس لنا وإن الأقصى لن يكون إلا لنا. إننا نقول لهؤلاء السياسيين والمتدينين من قادة الاحتلال: أنتم من أشعل النار، لكن لستم أنتم من سيطفئها. يا هؤلاء.. حرق، خنق، شنق، وماذا بعدُ في جعبتكم؟!!

هَزُلتْ يا إمارات

لقد سمعنا وقرأنا بل جربنا ذلك على جلودنا عبر إخراج مؤسسات إسلامية خارج القانون واعتبارها مؤسسات إرهابية، حيث أعلن الاحتلال الإسرائيلي أكثر من مرة عن مؤسسات إسلامية دولية وفلسطينية أنها خارج القانون الإسرائيلي وأنها إرهابية وأن من يتعامل معها يعتبر مخالفًا للقانون. لا بل إن مؤسسات في الداخل الفلسطيني قد جرى التعامل معها بنفس القانون الظالم وأغلقت وأعلنت بأنها مؤسسات وجمعيات محظورة، كما حصل مؤخرًا مع مؤسسة القدس للتنمية ومؤسسة عمارة المسجد الأقصى المبارك. لا بل إننا سمعنا وقرأنا في الصفحة الرسمية لـ”وزارة الدفاع الإسرائيلية” وهي تنشر لائحة بأسماء شخصيات فلسطينية وعربية مقيمة في أوروبا وتعريفها بأنها شخصيات إرهابية لا يُسمح بالتواصل معها، وهذه القائمة تتوسع ويزداد أعداد الأشخاص الواردة أسماؤهم فيها.

أقول: لقد سمعنا وقرأنا وعايشنا وجربنا هذا من قبل المؤسسة الإسرائيلية في محاربتها للمشروع الإسلامي والوطني وكل من يقف في مواجهة المشروع الصهيوني، ولكن الغريب أن تعتمد دولة الإمارات نفس الأسلوب وتصدر قائمة تضم قريبًا من 85 هيئة ومؤسسة إسلامية عالمية وتصنفها في قائمة الإرهاب وتحظر التواصل معها، لا بل إن هؤلاء يعتبرون مطاردين ومطلوبين للعدالة الإماراتية من أجل محاكمتهم.

وكان الغريب واللافت أن أغلب هذه المؤسسات والجمعيات والهيئات هم الذين تربطهم علاقة من قريب أو بعيد بالمشروع الإسلامي الوسطي، وإن كان الزجَّ ببعض الأسماء كالحوثيين ما هو إلا لذر الرماد في العيون.

أليس غريبًا ومضحكًا ومؤسفًا أن تعلن الإمارات عن الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، الذي يرأسه فضيلة الشيخ يوسف القرضاوي، والذي يضم في عضويته 9500 عالم وداعية من كل العالم، تنظيمًا إرهابيًا محظورًا وفي التالي اعتبار هؤلاء الأفاضل والكرام والعلماء وحفظة القرآن كلهم إرهابيين؟! .

أليس غريبًا أن تعتبر الإمارات مؤسسة “مجلس العلاقات الإسلامية الأمريكية” المعروف باختصار (كير) أنه مؤسسة إرهابية ضمن قائمتها؟ والمضحك أن الإدارة الأمريكية لا تعتبر هذه المؤسسة إرهابية وتعمل بترخيص قانوني في أمريكا لأن عملها كله عمل حقوقي وإنساني في الدفاع عن مصالح المسلمين هناك.

ومثل أمريكا فإنها السويد كذلك التي راحت تدافع عن مؤسسة إسلامية ناشطة في السويد وأنها ليست إرهابية وأنها قانونية، بينما تصر الإمارات أنها مؤسسة إرهابية محظورة. وهكذا هو معيار الإمارات في هذه القائمة حيث جماعة الإخوان المسلمين هي من تتصدر لائحة الإرهاب في نظر تل أبيب (عفوا.. في نظر الإمارات) ومثلها بعض الجماعات التي تقاتل نظام بشار الأسد الدموي من أصحاب الفكر المعتدل والوسطي أمثال حركة أحرار الشام وغيرها.

وليكن السؤال: هل من حق الإمارات أن تصف هؤلاء الأخيار والشرفاء بالإرهاب والتطرف وتطاردهم؟ هل تخاف الإمارات على الإسلام من تطرف هؤلاء؟ هل هذا نابعٌ من غِيرة الإمارات على الإسلام ووسطيته من غلو هؤلاء أم ماذا يا ترى؟!

ولكن هل يحق للإمارات أن تتهم غيرها بهذه التهم؟ أم أن الإمارات هي آخر من يحق له الحديث عن الفضيلة والاستقامة والأصالة والتدين والحرص على الإسلام؟

أليست الإمارات- كما كل تقارير الدنيا تشير- هي المستهلك الثاني للخمور في العالم بعد فرنسا؟!

أليست الإمارات أكبر مركز لبيع النساء الروسيات والأوكرانيات العاملات في تجارة الجنس؟!

أليست الإمارات هي من تستضيف وتفتح أبوابها لكل المارقين والفاسدين واللصوص أمثال محمد دحلان وأحمد شفيق وغيرهما؟!

أليست الإمارات ومن بنوكها حولت ملايين الدولارات التي وصلت إلى أحد البنوك الفلسطينية الخاضع إداريًا لسلطة رام الله ومن هناك سُحِبَتْ الأموال، ووصلت إلى السماسرة الذين اشتروا البيوت في سلوان وسلموها إلى الإسرائيليين المستوطنين؟ فمن هؤلاء الذين يقفون خلف هؤلاء السماسرة ويتخذون من الإمارات وكرًا لهم ليؤدوا هذه الأدوار الخيانية للقدس والأقصى وفلسطين؟!

إنها الإمارات، التي يعلم الجميع دورها في دعم الثورات المضادة لثورات الشعوب العربية ضد الأنظمة الفاسدة (الربيع العربي) وتمويلها بعشرات المليارات للانقلابي الدموي الخائن في مصر عبد الفتاح السيسي، الذي انقلب على الرئيس الشرعي محمد مرسي، وكل ذلك بسبب حقدها على الإسلاميين والمشروع الإسلامي وخاصة جماعة الإخوان المسلمين، وهذا ما تفعله الآن في ليبيا عبر دعمها للانقلابي الخائن خليفة حفتر ودعمه بالسلاح والطائرات والأموال، أليست هي التي على أرضها ينطلق الموساد الإسرائيلي في مطاردة الناشطين الفلسطينيين الذين يواجهون الاحتلال كما حصل في حادث اغتيال الشهيد محمود المبحوح؟

إن الإمارات، وبسبب إمكاناتها المادية الهائلة، تظن أنها ستصبح لاعبًا مهمًا في المنطقة من خلال استفادتها من تجارب كبار الأمنيين ورجال المخابرات الذين تستضيفهم في بلادها بعد هروبهم من بلادهم لاتهامهم هناك بالخيانة والانحراف الوطني. ولكن الإمارات ولسوء حظها فإنها بذلك الفعل وهذا السلوك تصنف نفسها في قائمة أعداء الأمة في نظر كل الشعوب العربية والإسلامية، مع علمي ويقيني بأن شعب الإمارات مثله كمثل كل شعوبنا العربية والإسلامية في حبه لدينه ولقضية فلسطين وللقدس والأقصى.

إن مثل هذا الموقف الإماراتي المشبوه، الذي يصب في مصلحة أعداء أمتنا، حتمًا سيرتد على الإمارات نفسها عبر حالة الخوف والرعب التي تنتاب حكامها، الأمر الذي دفعهم- كما تقول التقارير- للاستعانة بوحدات قتالية مصرية ترابط فيها للدفاع عنها.

وماذا يضر الفيل أن ذبابة قد لذعته لذعة؟ وماذا يضير الشمس أن صبيًا راح يعبث في التراب يظن أنه سيحجب بغباره نورها وضياءها؟ إنه لن يضر المشروع الإسلامي هذه الشقاوة والولدنة الإماراتية؟

ولكن أن يصل الأمر إلى حد أن يتطاول السفهاء على العلماء، وأن يتطاول المارقون والخائنون على الشرفاء والصادقين فإنها المهزلة! أي والله لقد هزُلتْ يا إمارات!!!

رحم الله قارئًا دعا لنفسه ولي ولوالديّ بالمغفرة

(والله غالبٌ على أمره ولكنّ أكثر الناس لا يعلمون)

مقالات ذات صلة