اقلام ذهبية

زجاجة عطر الأقصى

إنها قضية القدس والمسجد الأقصى المبارك، التي علم الله سبحانه بعلمه الأزلي أنها ستكون ذات علاقة مباشرة، ليس مع الصينيين ولا مع الروس ولا مع الأمريكان ولا مع غيرهم من شعوب الأرض، وإنما هي العلاقة التي ستكون مع بني إسرائيل. لذلك كان هذا الربط بين المسجد الأقصى وما حوله وما بين إسرائيل ليس في بندٍ من بنود اتفاقية “أوسلو”، ولا اتفاقية “كامب ديفيد” قبلها، ولا أية اتفاقية ستأتي بعدها، وإنما كانت في آية من آيات كتاب الله جل جلاله الأزلي الذي لا يُمحى ولا يُنسى ولا يُبدل ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه: (سبحان الذي أسرى بعبده ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير * وآتينا موسى الكتاب وجعلناه هدى لبني إسرائيل ألا تتخذوا من دوني الشيخ كمال خطيبوكيلا * ذرية من حملنا مع نوح إنه كان عبدًا شكورا * وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدنّ في الأرض مرتين ولتعلنّ علوًا كبيرا…).
وإنها الآيات القرآنية المباركة التي تتحدث عن الحماقة التي ستلازم بني إسرائيل بسبب حالة العلو الكبير، التي سيصلون إليها ماديًا وعسكريًا، والتي ستكون دافعهم إلى الإفساد في الأرض؛ هذا الإفساد الذي سيكون السبب الرئيس لإساءة وجوههم ومعاقبتهم من الله سبحانه ومن عباد الله عز وجل.
وإن كل قصة ومشوار العلو، ثم الإفساد، ثم العقاب ستكون فصولها في القدس والمسجد الأقصى المبارك.
إن ما يعيشه المسجد الأقصى والقدس الشريف منذ الاحتلال عام 1967 ليمثل رسم خارطة هذا العلو وهذا الإفساد، الذي لا مثيل له، وإلا فكيف نفسر، وماذا يعني أسف وندم كبار القادة الإسرائيليين على أنهم لم يهدموا المسجد الأقصى خلال أحداث حرب 1967 وطي صفحته إلى الأبد؟ ثم استمرار هذا الإفساد إلى هذه الأيام التي يدعو فيها كبار القادة الإسرائيليين إلى اقتحام المسجد الأقصى وإقامة الصلوات فيه بل وبناء كنيس في أحد أطرافه، تمهيدًا لبناء الهيكل الثالث المزعوم؟
إنهما الحماقة والغرور جعلا هؤلاء يميطون اللثام عن وجوههم الكالحة، ولم يصبروا على استمرار اختفاء مشاريعهم خلف الزعم أن هذه تحركات ومطالبات جماعات متطرفة وجمعيات وأفراد متدينين، وإذا بمن يتصدرون مشهد هذه الانتهاكات والاعتداءات والدعوات ليسوا إلا نائب رئيس الكنيست موشيه فيجلين، ووزير الإسكان في حكومة نتنياهو أوري أريئيل، ونائب وزير الخارجية داني دانون، ورئيسة لجنة الداخلية في الكنيست ميري ريغيف وغيرهم.
نعم! لقد وصلت بهم الحماقة إلى حد التخطيط لذبح قرابين عيد الفصح في ساحات المسجد الأقصى المبارك وإسالة دم هذه القرابين هناك، في سلوك غبي ومجنون ليس له مثيل.
إن هذه الحماقة في استهداف المسجد الأقصى والتخطيط لبناء هيكل على أنقاضه لهي التي ستفجّر في الأمة الغضب الذي ليس له حدود، ولن يتصوره من يقف خلف هذه السياسات في أسوأ أحلامهم وكوابيسهم المرعبة.
ولقد شاء الله سبحانه وقدر أن يتزامن عيد فصحهم ودعواتهم لاقتحام المسجد الأقصى مطلع هذا الأسبوع والدعوة لذبح قرابين العيد في ساحات المسجد الأقصى، تزامن هذا مع دعوتنا للمشاركة في المنتدى الأول العالمي لحركة نسائية إسلامية عالمية تحت عنوان “نساء الأقصى”، والذي عقد في مدينة اسطنبول في تركيا يوم 2014/4/13. هذا المنتدى والتشكيل الذي يضم ممثلات عن حركات نسائية إسلامية من تركيا وفلسطين ومصر والسعودية والأردن وقطر ودول أخرى كثيرة، يسعى إلى خلق حالة شعبية نسوية عاملة وليس فقط متعاطفة مع المسجد الأقصى المبارك.
وكم كان لافتًا ومؤثرًا ومعبرًا دعوتي من الهيئة التأسيسية للمنتدى- وهن من الأخوات التركيات- إلى منصة المهرجان، أمام كل الحشد المبارك وتسليمي زجاجة من عطر الورد لتكون وصيتهن: (احتفظ بهذا العطر إلى اليوم القريب بإذن الله، الذي فيه سيحرر المسجد الأقصى من الاحتلال الإسرائيلي، وليكن هذا العطر منا نحن نساء تركيا به يعطر المسجد الأقصى بعد تحريره وتطهيره من رجس الاحتلال).
إنهن فعلن هذا تيمنًا واقتداءً -كما قلن- بالنساء الكرديات من مدينة ديار بكر الكردية حين قدمن للفاتح صلاح الدين الأيوبي، وهو في طريقه للفتوحات العظيمة التي توجت بفتح القدس وتحرير المسجد الأقصى، قدمن له زجاجة من عطر الورد ليطيب به المسجد الأقصى عندما يحرره من الصليبيين.
نعم! لقد تحرر المسجد الأقصى من الصليبيين ورجس احتلالهم وتدنيسهم وتطيَّب المسجد الأقصى بطيب وعطر النساء المسلمات الكرديات. ذلك الاحتلال الأول الذي كان للمسجد الأقصى في تاريخه بعد الفتح الإسلامي. وإنني على يقين أن المسجد الأقصى المبارك سيتحرر من رجس الاحتلال الإسرائيلي ودنسه، وهو الاحتلال الثاني له بعد الاحتلال الصليبي، وسيطيّب المسجد الأقصى المبارك بطيب وعطر النساء المسلمات التركيات والسعوديات والفلسطينيات والمصريات والسوريات؛ كل نساء الأمة وشبانها ورجالها.
يا هؤلاء! لا يغرينَّكم انقلاب حليفكم وعميلكم السيسي في مصر. ولا يغرينكم تدمير حليفكم وعميلكم بشار لسوريا. ولا يغرينكم فتنة حليفكم وعميلكم المالكي في العراق. ولا يغرينكم خنوع وتنسيق “أبو مازن” الأمني معكم في رام الله. لا يغرينَّكم هذا كله! واعلموا وتذكروا أن أحد كبار قادتكم قد سبق وقال: إن هذه المتغيرات المتلاحقة لصالحنا والتي تجري في المنطقة هي غير مضمونة ولا مأمونة، لأن علينا أن نتذكر أننا نسكن في رمال الشرق الأوسط المتحركة !!!.
فإلى المراهنين على عملائهم وعكاكيزهم، إلى اللاهثين خلف سراب ووهم أساطيرهم، إلى الذين أسلموا زمام أمورهم إلى صبيانهم ومجانينهم، إلى الذين ما عادوا يفكرون بعقولهم، وإنما تفكيرهم كله نتاجٌ لجنون العظمة والقوة التي يملكونها؛ لهؤلاء يقول القرآن الكريم: (ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا * إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها، فإذا جاء وعد الآخرة ليسوءوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا).
فأبشري يا قدس، وأبشر يا أقصى، فإن لك في كل المدائن والأقطار رجالًا ونساءً، صغارًا وكبارًا على استعداد لفدائك والدفاع عنك بكل الغالي والنفيس، وإن صبحك يا أقصى سيطلع، وإن شمسك ستشرق، وإنها زجاجة العطر الأمانة في انتظار ذلك اليوم القريب بإذن الله تعالى.

رحم الله قارئًا دعا لنفسه ولي ولوالديّ بالمغفرة
(والله غالبٌ على أمره ولكنّ أكثر الناس لا يعلمون)

مقالات ذات صلة

إغلاق