تطبيق الوقت الراهن للمنح الدراسية
مقالات واراء

ميلاد البشارة ومولد البشير

يوم الخميس الماضي 2014/12/25 كان يوم ذكرى ميلاد البشارة؛ سيدنا المسيح عيسى ابن مريم عليه وعلى أمه الصلاة والسلام. ويوم غد السبت 2015/1/3 هو يوم 12 ربيع الأول 1436هـ، يوم ذكرى مولد البشير سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وأصحابه أجمعين.

0014

فأي قدر مبارك هذا القدر أن يجعل الله سبحانه هذا التقارب في ذكرى ميلاد البشارة وفي ذكرى مولد البشير المسيح ومحمد صلوات الله وسلامه عليهما؟

إنه البشارة عيسى ابن مريم عليه السلام، الذي بشر الله بميلاده لما قال: (إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيهًا في الدنيا والآخرة ومن المقربين؛ ويكلم الناس في المهد وكهلًا ومن الصالحين) (46+45 من سورة آل عمران).

وإنه البشير محمد صلى الله عليه وسلم الذي قال عنه: (وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرًا ونذيرا)، (إنا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرا) (آية 8 سورة الفتح).

البشارة والبشير عيسى ومحمد اختيارٌ واصطفاءٌ، تقاربٌ والتقاء. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الأنبياء إخوة لعلات، دينهم واحد وأمهاتهم شتى، وأنا أولى الناس بعيسى ابن مريم لأنه لم يكن بيني وبينه نبي).

البشارة والبشير عيسى وأحمد حُب ووفاء. قال الله تعالى على لسان عيسى عليه السلام: (وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقًا لما بين يدي من التوراة ومبشرًا برسولٍ يأتي من بعدي اسمه أحمد، فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سحرٌ مبين) (آية 6 سورة الصف).

وكيف لا يكون الاختيار والاصطفاء، والحب والوفاء، والتشابه والاقتفاء، ومحمدٌ صلى الله عليه وسلم، الذي ولد يتيمًا فلم ير أباه قط، والمسيح عليه السلام الذي ولد من غير أبٍ في أغرب ميلاد عرفته البشرية، فلم يعرف المسيح من الدنيا إلا أمه مريم، ولم يعرف محمد من الدنيا إلا أمه آمنة، فالسلام عليك يا مريم، السلام عليك يا آمنة، يا أم البشارة ويا أم البشير.

ما أسعد البشرية يوم نهتدي بهدي محمد والمسيح! وما أشقاها وما أتعسها يوم تدير ظهرها، بل وتتطاول بجهل وغباء أو بمكرٍ ودهاء على تعاليم وسيرة وهدي المسيح عليه السلام، الذي بشر بأحمد بل وسلمه راية التوحيد، فكان محمد صلى الله عليه وسلم آخر الرسل، وخاتم النبيين.

راكب الحمار وراكب الجمل:

قال أبو هريرة رضي الله عنه: (أوحى الله عز وجل إلى عيسى ابن مريم: يا عيسى؛ جُدَّ في أمري ولا تهن، واستمع وأطِع يا ابن الطاهرة البتول، أنا خلقتك آية للعالمين، إياي فاعبد، وعليّ فتوكل، بلّغ من بين يديك؛ أنني أنا الله الحي القائم الذي لا أزول، صدقوا النبي الأمي العربي، تكفلهُ يا عيسى في آخر الزمان كما تكفل زكريا أمك، فإن له عندي منزلة ليست لسائر البشر، كلامه القرآن، دينه الإسلام، طوبى لمن أدرك زمانه وشهد أيامه، وسمع كلامه.

قال عيسى يا رب: وما طوبى؟ قال: غرس شجرةٍ أنا غرستها بيدي من شرب من ثمرها لم يظمأ بعدها أبدًا. قال عيسى: يا رب اسقني منها، قال حرامٌ على النبيين أن يشربوا منها حتى يشرب ذاك النبي، وحرامٌ على الأمم أن تشرب منها حتى تشرب أمة ذاك النبي).

إنه العهد القائم المستمر بين البشارة والبشير، ولكنه العهد أمر الله سبحانه بالمحافظة عليه والالتزام به “صدقوا النبي الأمي العربي”. أليس الله جل جلاله هو الذي تحدث عن محمد صلى الله عليه وسلم وما ذكر به في التوراة والإنجيل، وكيف أثنى الله سبحانه على من التزموا بالعهد والميثاق المتمثل بتصديق هذا النبي والسير على طريقه: (الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل، يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم، فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون) (آية 157 سورة الأعراف).

إنه نفس طريق الأنبياء الكرام؛ ابتداءً من آدم عليه السلام مرورًا بنوح وإبراهيم وموسى وعيسى وخاتمهم محمد صلى الله عليه وسلم، فلما بعث رسول الله أصحابه مهاجرين إلى الحبشة وأرسل معهم كتابًا إلى ملك الحبشة “النجاشي”، شارحًا فيه إيمانه بعيسى ابن مريم وما قال القرآن فيهما، وبعث الكتاب مع عمرو بن أمية الضمري، قال النجاشي بعد أن قرأ كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أشهد بالله إنه النبي الأمي الذي ينتظره أهل الكتاب، وأن بشارة موسى براكب الحمار “عيسى عليه السلام” كبشارة عيسى براكب الجمل “محمد صلى الله عليه وسلم”، وأن العيان ليس بأشفى من الخبر)، حيث ورد هذا في سفر إشعيا في الإصحاح 21 الآيات 10 – 6.

هكذا هي العلاقة إذن بين البشارة والبشير؛ بين راكب الحمار وراكب الجمل؛ بين ابن مريم وابن آمنة؛ بين صاحب الإنجيل وصاحب القرآن، إنها علاقة المشكاة الواحدة تنير طريق السالكين إلى الله تعالى طلبًا لرضاه وسعيًا من أجل جنته.

مُحمدٌ لاقى عليها المسيح:

في ذكرى ميلاد البشارة عيسى عليه السلام ومولد البشير محمد صلى الله عليه وسلم كتب الكتاب وأنشد الشعراء في مدح البشارة عيسى ابن مريم. وقالوا مثل ذلك وأكثر في مدح البشير صلى الله عليه وسلم في ذكرى مولده. ولكنهم الشعراء المسلمون والمسيحيون الذين كتبوا القصائد بل والدواوين جمعوا فيها وأكدوا العلاقة بين البشارة والبشير عليهما الصلاة والسلام، فهذا أحمد شوقي أمير الشعراء رحمه الله يقول:

البدر دونك في حسنٍ وفي شرفٍ والبحر دونك في جودٍ وفي كرمِ
أخوك عيسى دعا ميتًا فقام له وأنت أحييت أقوامًا من العدمِ

ويقول في قصيدة أخرى:

سبحانك اللهم خير معلم علمت بالقلم القرون الأولى
أرسلت بالتوراة موسى مرشدًا وابن البتول فعلم الإنجيلا
وفجرت ينبوع البيان محمدًا فسقى الحديث وناول التنزيلا
وهذا الشاعر الشهير رشيد سليم الخوري المعروف باسم “الشاعر القروي” يقول في ختام قصيدة طويلة:
يا قوم هذا مسيحي يذكركم لا ينهض الشرق إلا حُبنا الأخوي
فإن ذكرتم رسول الله تكرمة فبلغوه سلام الشاعر القروي
وهذا الشاعر النصراني رياض المعلوف أحد شعراء المهجر يقول:
وحد الله فالمؤذن واحد وبذكر النبي في العيد أنشد
يا رسول الله أنت وعيسى خير من يصطفى ويُرجى ويُقصدْ
عيدك اليوم غِبْطة وابتهاج لجميع الأعراب والله يشهد
وكفى العرب فخرهم بانتساب لنبي هو النبي محمد

وهذا الشاعر الفلسطيني محمود حسن إسماعيل يقول في قصيدته عن فلسطين، والتي هي بعنوان “محمدٌ لاقى عليها المسيح”:

فلسطينُ في الأرض كِبرُ جريح
وترنيمة رددتها السفوح
“محمدُ” لاقى عليها “المسيح”
وردا إلى خطوة التائهين
رياح المذلة في العالمين
وتيه المضلة في الضائعين
ومهما تواروا بزيفِ المسوح
ستُستلهم نقمة الثائرين

البشارة ينزل عند المنارة:

إنه المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام، حيث نؤمن نحن المسلمين أنه ما قتل ولا صلب ولكن شبه لقومه ذلك، وأنه نازلٌ إلى الأرض بعد إذ رفعه الله إليه، وأنه يعرف كيف يرد الجميل للأمة التي عرفت حقه ودافعت عنه وعن أمه البتول الطاهرة مريم عليها السلام، ويكون ذلك في أحلك الظروف وأصعبها في آخر الزمان حين يخرج الدجال في هذه الأمة فيقتله المسيح عليه السلام.

يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يخرج الدجال في أمتي فيمكث أربعين، -لا أدري أربعين يومًا أو أربعين شهرًا أو أربعين عامًا- فيبعث الله عيسى ابن مريم كأنه عروة بن مسعود فيطلبه فيهلكه ثم يمكث الناس سبع سنين ليس بين اثنين عداوة….).

وفي الحديث الآخر الذي روي عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وهو يتحدث عن خروج الدجال خلال فترة ظهور الإمام المهدي عليه السلام، وقيام دولة الخلافة الإسلامية الراشدة وعاصمتها القدس الشريف، حيث فتنة الدجال الكبرى التي استعاذ منها رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث وفي أوج تلك الفتنة ينزل عيسى عليه السلام عند المنارة البيضاء في دمشق، فقال صلى الله عليه وسلم :(فبينما هو كذلك (أي الدجال) إذ بعث الله المسيح ابن مريم فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق بين مهروذتين (مفردها مهروذة وهي الثوب الجميل المائل إلى الصفرة) واضعًا كفيه على أجنحة ملكين، إذا طأطأ رأسه قطر، وإذا رفعه تحدر منه جُمان كاللؤلؤ فلا يحل لكافر يجد ريح نَفَسِه إلا مات، ونَفَسُهُ ينتهي حيث ينتهي طرفه، فيطلبه حتى يدركه بباب لُدّ فيقتله). وفي الحديث الآخر لرسول الله صلى الله عليه وسلم يقول فيه: (يقتل ابن مريم الدجال بباب لُدّ). إنه الدليل الواضح إذن على استمرار العلاقة رغم آلاف السنين بين البشارة والبشير بين عيسى وبين محمد عليهما صلوات الله وسلامه، إنه المسيح الذي سينزل إلى الأرض ويكون نزوله واحدة من علامات الساعة العشر الكبرى، ولكنه سينزل إلى الأرض وفي الأرض يومها “وهو بإذن الله قريب” دولة الخلافة الإسلامية؛ قائدها الإمام المهدي وعاصمتها القدس، وفيها سيصلي المسيح مأمومًا بإمام المسلمين، الذي يحاول إقناعه بأن يتقدم إمامًا، غير أن المسيح يصر أن يصلي خلف إمام المسلمين إشارة منه أنه واحدٌ منهم، ثم ليؤدي المهمة العظيمة التي لأجلها نزل؛ وهي مطاردة الدجال وقتله.

نعم! إنه المسيح الذي طورد ولوحق من قبل الفاسدين من بني إسرائيل عملاء الروم يومها ليقتلوه، وإنه المسيح عليه السلام هو الذي سيطارد ويلاحق الدجال وأكثر أتباعه، كما ورد في الحديث، من اليهود، ولكنه هنا لن ينجو ولن يفلت، وإنما سيقتله المسيح عليه السلام. إنها إذن القدس وإنها دمشق وإنها بلاد الشام حيث هي فصول حكاية يبدو أننا في فصولها الأخيرة، والله أعلم.

وفي المدينة يطيب اللقاء:

فلئن كان البشارة قد بشر بالبشير، وقد مرت 570 سنة بين ميلاد البشارة وبين مولد البشير، ولئن كان محمد صلى الله عليه وسلم قد صلى بكل الأنبياء إمامًا في المسجد الأقصى ليلة الإسراء، ومنهم عيسى ابن مريم، ولكن كان صلى الله عليه وسلم قد لقيهم خلال مروره بالسموات السبع في رحلة المعراج، إلا أن ذروة هذا اللقاء سيكون يوم تكتب الأسطر الأخيرة من الفصل الأخيرة من حكاية رسالة التوحيد في هذا الكون. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إني لأرجو إن طال بي عُمرٌ أن ألقى عيسى ابن مريم، فإن عجّل بي موتٌ فمن لقيه منكم فليقرئه مني السلام). وفي الحديث الآخر الذي رواه الإمام مسلم: (وليأتين قبري حتى يسلّم عليّ، ولأردّن عليه السلام)، وكيف لا يأتي البشارة لزيارة قبر البشير، وهو الذي سيؤدي فريضة الحج؟ ففي الحديث الذي رواه الإمام مسلم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده ليُهِلن ابن مريم بفج الروحاء حاجًا أو معتمرًا أو ليثنينَّهما).

إننا نحتفي نحن المسلمين بميلاد البشارة أخي البشير إيمانًا منا بنبوته ورسالته، وإيمانًا منا أنه قد جاء بالتوحيد الخالص لله سبحانه، فلا أُبوة ولا بُنوة. فليس هو الله ولا هو ابن الله جل جلاله، وإنما هو امتداد لموكب الإيمان والتوحيد. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كيف تهلك أمةٌ أنا في أولها وعيسى في آخرها).

كم نحن سعداء وكم نحن محظوظون معشر المسلمين بأننا نحيي ذكرى ميلاد البشارة وذكرى مولد البشير عليهما الصلاة والسلام. فالسلام عليك يا ابن مريم، السلام عليك يا ابن آمنة، السلام عليك يا صاحب الإنجيل، السلام عليك يا صاحب القرآن، السلام عليكما في القدس ليلة الإسراء، السلام عليكما في المدينة يوم يطيب اللقاء، السلام عليكما يوم القيامة وأنتما الشفعاء البشارة والبشير، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. 

رحم الله قارئًا دعا لنفسه ولي ولوالديّ بالمغفرة
(والله غالبٌ على أمره ولكنّ أكثر الناس لا يعلمون)

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق